وديع الصافي


 

وديع الصافي صوت تاريخي في الغناء العربي.. إلياس سحاب        

          وديع الصافي ليس صوتاً غنائياً عظيماً فقط، فاكتمال نضج تجربة هذا الفنان تزامن مع نضج الحركة الموسيقية العربية في الشرق، وقد أثرى هذا الفن بحنجرته الرائعة التي وهبه الله إياها.

          الآن وقد مرّ على انقضاء القرن العشرين ثماني سنوات، نكون قد أصبحنا على مسافة معقولة منه،تسمح لنا بغربلة تفاصيل النهضة الموسيقية التي بقيت مزدهرة فيه حتى ثلاثة أرباعه. ويمكننا بنظرة استعادية لذلك القرن الموسيقي، أن نقسمه إلى ثلاث مراحل: الربع الأول من القرن، والربع الثاني، والربع الثالث. مع ملاحظة أن أخصب هذه المراحل الثلاث هي الربع الثاني، الذي جاء بعد نضج كل المراحل السابقة، وهو نضج توجته في العصر الحديث ثورة سيد درويش التجديدية، وقد توجت ذلك الربع الثاني من التلحين أسماء عباقرة مثل محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطي، وفي الغناء أسماء الثلاثة التاريخيين: محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وأسمهان.

          وإذا كان الثلث الثالث، من منتصف القرن حتى ثلاثة أرباعه، قد شهد استمراراً للنهضة الموسيقية في القاهرة، وازدهاراً مشرقياً لها كانت بيروت مركزاً له، فإننا نلاحظ أن كل عباقرة الموسيقى العربية والغناء العربي في الربع الثالث بالذات من القرن، وقد ولدوا في أواخر ربعه الأول (1915 - 1925)، وترعرعوا وتكونت شخصياتهم الموسيقية والغنائية في حضن الربع الثاني من القرن العشرين، أنضج مراحله الموسيقية - الغنائية.

          فإذا ركزنا النظر على الجناح المشرقي من النهضة الموسيقية - الغنائية العربية بشكل خاص، فإننا سنجد عباقرة هذه النهضة قد ولدوا فعلاً فيما بين 1915 و1925، وإن كان العدد الأقل من هؤلاء قد تخطى هذه الفترة بخمس سنوات أخرى. فزكي ناصيف وفيلمون وهبي ولدا قبل العام 1920، أما توفيق الباشا وعاصي ومنصور الرحباني ووديع الصافي فقد ولدوا فيما بين 1920 و1925.

بداية الرحلة

          وبالنسبة لوديع الصافي بالذات، فقد ولد في نيحا (قضاء الشوف) في العام 1921.

          يروي وديع بشارة فرنسيس (أطلق عليه حليم الرومي فيما بعد لقب الصافي) بنفسه في الكتاب الفريد الذي وضعه عنه فكتور سحّاب أن الينابيع الأولى التي استقى منها وجدانه الموسيقي والغنائي، كانت الغناء الريفي (الفولكلور) والإنشاد الديني في الكنائس المسيحية الشرقية (الموارنة، والروم الأرثوذوكس).

          لكنه عندما نزل من قريته إلى بيروت، وراح يحتك بالثمار اليانعة للنهضة الموسيقية - الغنائية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، فإن الصوت الذي شده قبل سواه وأكثر من سواه هو صوت محمد عبدالوهاب، الذي كان يفضله في البداية (على حد قوله) على صوت أم كلثوم، لأنه كان يؤدي الغناء بصوت لين مطواع، بينما ظلت  أم كلثوم فترة طويلة تجنح إلى الحدة في أدائها، التي لم تصقلها التجارب إلا في أواخر الثلاثينيات، حيث بدأ إعجاب وديع الصافي بصوتها حسب قوله، لكن مطربه المفضل بقي على ما يبدو هو محمد عبدالوهاب، وله في ذلك قول واضح: لم أكن أسمع من الأغاني لغير عبدالوهاب وأم كلثوم، إلا لأسمهان. وهو بذلك يقدم دليلا إضافياً على الرأي القائل بأن هذه الأصوات الثلاثة (عبدالوهاب وأم كلثوم وأسمهان) هي الأصوات التاريخية في الغناء العربي الحديث في القرن العشرين، ليس لأنه لم يظهر بعدها أصوات ذات شأن فني كبير، ولكن لأن الغناء العربي كان يسير في طريق آخر وأسلوب آخر، سمي فيما بعد «مدرسة القرن العشرين في الغناء العربي».

          ظلت الشخصية الفنية لوديع الصافي تتكون وتختزن ما أمكن من التراث القديم والحديث، الديني والدنيوي، القروي والمدني، حتى منتصف القرن العشرين على ما يبدو.

          لكنه في عقد الأربعينيات، تعرض لرحلتين كان لهما أثر مباشر وغير مباشر، في إنضاج شخصيته الفنية، وإيصالها إلى الصورة الكاملة التي استقرت عليها بعد ذلك.

          فكما جرّبت كل من نور الهدى (ألكسندرا بدران) وصباح (جانيت فغالي) ولور دكاش حظوظهن الفنية بالانتقال من بيروت إلى القاهرة، فقد خاض وديع فرنسيس (قبل أن يصبح اسمه الصافي) هذه التجربة وشد الرحال إلى القاهرة، حيث خاض سلسلة من التجارب السينمائية الفاشلة، لأنه بطبيعته لا يحب التمثيل، ويعتبره نوعا من الكذب (على حد قوله).

          لكن اللافت للنظر في هذه الرحلة القاهرية الأولى القصيرة وغير المثمرة في عمر وديع الصافي الفني، أن والد نور الهدى قد جمعه بمطربه المفضل محمد عبدالوهاب، حيث استمع إليه هذا الأخير مندهشاً يؤدي مقطعاً من أنشودة الفن (الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها)، وذلك بعد أن كان وديع قد استمع إليها مرة واحدة فقط.

بعيداً عن المغتربين

          أما رحلة الصافي الثانية بعد عودته من القاهرة، فقد كانت إلى البرازيل، حيث قضى ردحاً من الوقت يغني للمغتربين الألوان الفولكلورية اللبنانية، التي كان قد أصبح أستاذاً في أدائها، إضافة إلى أغنيات لبنانية كان قد لحنها على قصائد زجلية لشعراء لبنانيين كبار، كان قد تعرف إليهم في دواوينهم المنشورة فقط (مثل قصيدة «طل الصباح وتكتك العصفور» لأسعد السبعلي).

          ولما عاد وديع الصافي إلى بيروت في مطلع عقد الخمسينيات، كان الفنان الكبير حليم الرومي قد تسلم مسئولية إدارة الإذاعة اللبنانية (الفرقة الموسيقية والمكتبة الموسيقية. ولم يكن تغيير اسم وديع فرنسيس إلى وديع الصافي هو الشيء الوحيد المهم الذي قام به حليم الرومي، فقد قام بعمل أهم هو توجيه وديع الصافي من لون الطرب (المتأثر باللون المصري)، إلى الغناء بالألوان اللبنانية ذات الطابع المشرقي. ومع أن لوديع الصافي تفسيرا خاصا لتصرف حليم الرومي هذا، لكن هناك من يعتقدون أن المبرر الفني كان هو الأقوى وراء نصيحة حليم الرومي المبكرة هذه، لأن الأيام أثبتت أن وديع قد تبوأ بأداء الألوان اللبنانية المشرقية موقعاً تاريخياً طليعياً، لم يكن مهيأ لتبوؤ موقع مثله في أي مجال غنائي آخر. والحقيقة أن وديع الصافي كان قد وصل عند هذا الحد (اختيار الصافي لقباً فنياً له، وتخصصه بغناء الألوان اللبنانية المشرقية)، إلى ذروة نضجه في هذا الاتجاه الذي سيصنع له مجده الفني الذي يتربع فيه على عرش راسخ لا تهزه رياح العمر والتحولات الغنائية والموسيقية الجامخة في أواخر القرن العشرين.

معالم النهضة الموسيقية

          لم يكن الأمر يتعلق فقط، بظهور صوت غنائي عظيم (بكل ما في الكلمة من معنى) في لبنان، لكن اكتمال نضج هذا الصوت التاريخي الاستثنائي، قد تزامن مع نضج ثمار النهضة الموسيقية في المشرق العربي، التي انطلقت مواسمها الأولى في عقد الأربعينيات في فلسطين (قبل النكبة) عبر إذاعتي القدس والشرق الأدنى، ثم انتقلت إلى بيروت التي أصبحت (كما سيتضح فيما بعد) مركزاً لنهضة مشرقية عامة، يلعب الفنانون اللبنانيون والفلسطينيون فيها دور العصب الحساس.

          والحقيقة أن عقد الخمسينيات قد تميز في لبنان بمعلمين مهمين من معالم هذه النهضة الموسيقية:

·         إنشاء مهرجانات بعلبك الدولية، في أوخر عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون في العام 1956. واعتمادها في العام الثاني لولادتها (1957) حصة للفن اللبناني المحلي، تحت عنوان «الليالي اللبنانية».

·         بدء النهضة الجدية لإذاعة بيروت الكبرى في العام 1958، مع بداية عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب.

          لقد تجمعت للنهوض بهاتين المؤسستين الفنيتين، كل المواهب الفنية التي ولدت وترعرعت في لبنان وفلسطين في الربع الأول من القرن العشرين، والربع الثاني منه.

          في هذا الوقت كان وديع الصافي، يستكمل تكوين شخصيته الفنية، كما قال، بعلاقة مثمرة مع الفنان ميشال خياط في كواليس الإذاعة اللبنانية، الذي كان يطلعه، بعد كل ما اطلع عليه بنفسه، على ذخائر نتاج كل من سيد درويش وزكريا أحمد، وتراث القرن التاسع عشر.

          لذلك، وبما أن السنوات الأولى من هذه النهضة قد عرفت نوعاً من العمل الجماعي بين هؤلاء الفنانين، على نقيض المرحلة اللاحقة التي انصرف فيها كل إلى خدمة شهرته الخاصة (المؤسسة الرحبانية ركزت على فيروز، على سبيل المثال)، فقد أصبح وديع الصافي البطل الذي ملأ فراغ الدور الذي كان قبله يبحث عن بطل. وفي رأيي الخاص، أنه لو كوّن الفنانان الكبيران وديع الصافي وزكي ناصيف ثنائياً فنياً ثابتاً، كما في حالة الأخوين رحباني مع صوت فيروز، لاغتنت المكتبة الغنائية المشرقية بذخائر نفيسة لا مثيل لها. لكن كل أحاديث وديع الصافي، القديمة والجديدة، كانت تعبر عن اقتناعه بأنه أحسن من يلحن لصوته، لأنه أحسن من يفهم صوته.

الصافي.. صوت وأداء

          مع أن حنجرة وديع الصافي تملك عدداً من المزايا الفنية الطبيعية لدى الأصوات الجميلة، فإن هذه الحنجرة قد حباها الله بمزايا أخرى استثنائية، إلى درجة تبدو أحياناً مخالفة للطبيعة البشرية للأصوات.

          في التكوين الطبيعي لحنجرة وديع الصافي أولاً ميزة اتساع المساحات الصوتية على كل الدرجات المرتفعة والمنخفضة، حتى أطلق عليه شيخ النقاد العرب كمال النجمي لقب «جاجارين الطبقات الصوتية» (معلوم أن جاجارين هو أول إنسان ارتاد الفضاء الخارجي)، وميزة امتلاك معدن بالغ النفاسة، عز نظيره في الأصوات المعروفة. وإذا كانت هذه المزايا هبة الخالق، فإن الدربة الطويلة التي درب وديع الصافي صوته على أدائها، في مختلف الألوان الدينية والدنيوية التي استعرضنا في مطلع هذه السطور، قد زودت صاحب هذه الحنجرة المميزة أصلا، بأساليب ساحرة في الأداء الغنائي، أولها قدرته على تغليف المعدن النفيس لحنجرته بما يشبه الحرير أو المخمل، أي بحنان ورقة ودفء إنساني قل أن اجتمعت في صوت بهذه المواصفات الجميلة.

          ويصل أداء وديع الصافي إلى ذروة تجعله يبدو مخالفا للقوانين الطبيعية. فهذه القوانين تقول إن الصوت البشري عندما يرتفع إلى درجاته العليا، فإنه يزداد ضيقا وحدة، إلا صوت وديع الصافي، الذي يسيطر عليه صاحبه في مساحاته العليا، ليغلفه بحنان ورقة عز نظيرها في الأصوات الأخرى، عندما تصل إلى هذه المساحات العليا المرتفعة، بما يذكرنا بصوتي عبدالوهاب وأسمهان فقط.

          المزية الأخرى في أداء وديع الصافي،خاصة عندما يدخل غناؤه في مساحات الارتجال اللحني والغنائي، أن الدربة الطويلة على تراث الفولكلور اللبناني، والتراث العربي الكلاسيكي، والإنشاد الديني المسيحي المشرقي، الذي يوازي في غناه ينابيع الإنشاد الديني الإسلامي، هذه الدربة زودت أداء وديع الصافي بقدرة على التنقل بين المقامات الموسيقية العربية، إلى حد كثيراً ما يصيب المستمع العارف أو الحساس، بالدهشة والذهول، ويبدو ذلك أكثر ما يبدو في أدائه للمواويل، بشكل خاص مع صباح ونجاح سلام، وفي بعض تسجيلاته مع فيروز، مثل فاصل «سهرة حب» وفواصل الموشحات والقصائد. حتى أن فكتور سحّاب سجل له في كتابه عنه مساجلة ثنائية بينه وبين صباح، يغني فيها مقام الهزام على الدرجات العليا، ثم الوسطى، ثم المنخفضة، حتى يصل إلى الدرجة المناسبة لصوت صباح، كل ذلك اعتماداً على حنجرته، وليس على الآلات الموسيقية المرافقة، التي كان بعضها يتوقف عن العزف عجزاً عن مجاراة التقلبات السحرية في أداء حنجرة وديع الصافي.

          إن مكتبات إذاعتي دمشق وبيروت، مليئة بنماذج من هذا الغناء الفريد الساحر لحنجرة وديع الصافي، التي زودها الله بميزة أخرى (تذكرنا بأم كلثوم)، وهي أن طبقات الصوت العليا لدى وديع الصافي بقيت تتحدى تقدمه في العمر، حتى ما قبل سنوات قليلة، حتى أنه مازال يحتفظ إلى الآن بمساحات صوتية تفوق كثيراً ما يسمح به تقدمه في العمر، الذي بلغ السابعة والثمانين من السنين (أطال الله في عمره).

سحر الحنجرة

          ومع أن هذه المواهب الربانية والمزايا المكتسبة في أداء وديع الصافي قد أمّنت له انتشاراً واسعاً بين جميع طبقات المستمعين، فإن التعرّف الكامل إلى كل كوامن السحر في هذه الحنجرة وهذا الأداء، يظل محصوراً في طبقة المستمعين العارفين بأسرار الصنعة، وكبار الموسيقيين والمطربين المحترفين. يكفي أن نستمع في هذا المجال إلى جلسة يغني فيها وديع الصافي في حضور محمد عبدالوهاب أو عبدالحليم حافظ، لنضع أيدينا على كل مكامن سحر الغناء لدى هذا المطرب الاستثنائي، حتى أن عبدالحليم حافظ في سهرة في منزل الرحابنة ببيروت، وبعد الاستماع إلى أداء مذهل من وديع الصافي لأغنيته الشهيرة على مقام نهاوند «ولو»، رفض كل إلحاح الساهرين عليه بالغناء، وقال بالحرف الواحد: بعدما غنى وديع الصافي، سأذهب لأبيع ترمس».

          وكان من ثمار تأثر عبدالحليم بهذه السهرة، أن نقل أحاسيسه بهذا النغم لصديقه الموسيقار محمد الموجي، الذي صاغ له من قماشة «ولو» (على مقام النهاوند) أغنيته الرائعة أمام نادية لطفي في فيلم الخطايا «مغرور».

          لا نبالغ إذا قلنا أن وديع الصافي هو صوت تاريخي في الغناء العربي المشرقي، لسببين مكتملين:

·         المزايا الخارقة والاستثنائية التي جعلته مطرب الجماهير ومطرب النخبة من الذواقة في الوقت نفسه.

·         الدور التاريخي الذي لعبه وديع الصافي، في مقدمة الأصوات التي تأسست عليها نهضة الموسيقى العربية المشرقية في القرن العشرين.

---------------------------------------

          فؤادٌ ليسَ يثنيهِ العذولُ
                                        وعيْنٌ نوْمُها أبداً قليلُ
          عركْتُ النَّائباتِ فهانَ عندِي
                                        قبيحُ فِعَال دَهري والجميلُ
          وقدْ أوْعَدْتَنِي يا عمرو يوْماً
                                        بقولٍ ما لِصحَّتِهِ دليلُ
          ستعلم أينا يبقى طريحاً
                                        تخطفهُ الذوابلُ والنصولُ
          ومنْ تُسبى حليلَتهُ وتُمسي
                                        مفجعة لها دمعٌ يسيل
          أتذْكُرُ عبْلة ً وتبيتُ حيّاً
                                        ودونَ خِبائِها أسدٌ مَهُول
          وتطلبُ أنْ تلاقيني وسيفي
                                        يُدَكُّ لوقْعه الجبلُ الثَّقيلُ

عنترة بن شداد

إلياس سحاب