الرازي



ابو بكر محمد بن زكريا الرازي . فيلسوف وطبيب وصيدلي وكيميائي ورياضي وموسيقي فارسي . ولد في الري بالقرب من طهران عام 854 م وتوفي فيها عام 903 م أو 923 م أو 932 م . بدأ الرازي حياته كضارب على العود حتلى برع في فنه ، ثم تتلمذ على البلخي في الفلسفة . وفي زيارة له الى بغداد وقد جاوز الثلاثين ، اتصل يوما باحد الصيادلة في البيمارستان العضدي وسأله عن الادوية ، فقال له ( كما يروي ابو سعيد ) : « ان اغريقيا يدعى افلولن كان به ورم حار في ذراعه ، اخرجه غلمانه يوما الى شاطئ النهر ، فلما وضعوه على الشاطئ جاءت قعدته فوق نبات يقال له حمى العالم ، فاذا بالالم في ذراعه يختفي ، فلما جاء الغد اسرع الى المكان ذاته ، وما هي الا ايام حتى برأ . فلما سمع الناس بما حدث اخذوا يستخدمون النبات ، ثم غيره من النباتات » . « ولما سمع الرازي كلام الصيدلي ، واعجب به ، دخل البيمارستان ، فرأى صبيا مولودا بوجهين ورأس واحدة ، فسأل الاطباء عن سبب ذلك ، واخبر به ، فاعجبه ما سمع ، ولم يزل يسأل عن شيء شيء ، ويقال له ، وهو يعلق بقلبه ، حتى تصدى لتعلم الصناعة ».َ

وهكذا بدأ اهتمام الرازي في بغداد بالطب والصيدلة والكيمياء ، فاقبل على دراسة كتب جالينوس و ابقراط وحكماء الهنود . ولكن قيل ان الرازي كان يعتبر الفيلسوف من يشتغل بالكيمياء « واستغنى عن التكسب من اوساخ الناس ، وتنزه عما في ايديهم ». وفي هذه الاثناء عمل الرازي صرافا بالمدينة ، ولم يحتج قط الى توطيد علاقته بالخليفة هارون الرشيد أو بأحد من بلاطه ، مع ان الخليفة كان ينتمي مثله الى مدينة الري . وقيل ان الخليفة قد فكر بعد ذلك في بناء المستشفى المنصوري بالمدينة ، فطلب ان يرشح له خمسين طبيبا ليعملوا بها فكان منهم الرازي . فطلب ان يمتحن الاطباء وان تختصر القائمة الى عشرة فكان الرازي منهم . والى ثلاثة فكان ايضا منهم . حتى اختير الرازي لبناء المستشفى . وقيل ان الرازي علق شرائح من اللحم في انحاء المدينة ، وتركها اياما حتى تعفنت فاختار مكان اقلها عفنا لبناء المستشفى .َ

ولكن الرازي لم يبق طويلا في بغداد ، وآثر ان يعود الى الري ليرأس مستشفاها ويطبب اميرها المنصور بن اسحاق . وقد وصف الرازي بانه كان ضخم الجثة ، كبير الرأس ، وانه كان يجلس في مجلسه ودونه تلاميذه ودون هؤلاء تلاميذهم ، ودون الاخيرين تلاميذ آخرون ، فاذا جاء مريض وصف ما عنده لأول من يلقاه ، فاذا لم يعرف تعداه الى غيره وهكذا حتى يصل الى الرازي . وكانت معاملة الرازي وتلاميذه لمرضاه معاملة مثالية . وقيل انه لم يكن يفرق في معاملتة بين غني او فقير ، وكان يجري الجرايات الواسعة على من يحتاجها . وقد قال : « إن من ابلغ الاشياء فيما يحتاج اليه في علاج الامراض بعد المعرفة الكاملة للصناعة حسن معاملة العليل . وابلغ من ذلك لزوم الطبيب للعليل وملاحظة احواله ».وقد قيل ان الرازي قد « حصلت له معرفة علم الكيمياء » أي قد نجح في تحويل المعادن الخسيسة الى ذهب ، وانه قد باع لبعض الروم سبائكه فاخذوها الى بلادهم ، ولكن لونها تغير بعض التغيير وتبين لهم زيفها ، فعادوا بها اليه واستعادوا منه نقودهم . كذلك قيل ان الطعام في منزله كان « لذيذا وطيبا» لأنه كان يطهى في أون من الذهب والفضة .َ

وروى ابن خلكان ان الرازي قد صنف كتابا ضخما وصف فيه سر الصنعة ، وانه قد اهداه الى الخليفة المنصور ، فكافأه هذا بألف دينار . ثم امر بتوفير الآلات والادوات له لكي يقوم بتنفيذ ما وصف ، فلما عجز الرازي عن تحويل المعادن الى ذهب ، امر المنصور بأن يضرب بكتابه حتى يتمزق الكتاب ، فلما فعلوا هذا اصاب الرازي العمى . ومع ذلك فقد كانت شكايات الرازي من عينيه طويلة ، اذ قيل انه كان ينفق جل وقته في التسويد والتبييض ، وانه لما نصح بان يجري في عينيه « كحالة » ، رد على ناصحيه رافضا : « لقد ابصرت من الدنيا حتى مللت » .َ

وقد تمتع الرازي منذ البداية بكل التقدير والاعجاب ، وقيل انه كان معينا لا ينضب من الافكار الجديدة ، التي يخرجها عقل موسوعي مستقل ، ويصارح بها في شجاعة وقوة وحق . واعتبر الرازي اعظم الاطباء المسلمين ، واب الطب العربي ، وجالينوس العرب ، وشيخ الاطباء ، وعبقري الطب الباطني الاكلينيكي . وقيل ان الطب كان ميتا حتى احياه جالينوس ، وكان متفرقا حتى جمعه الرازي ، وكان ناقصا حتى اكمله ابن سينا . وقد ظل الرازي حجة الطب في اوربا حتى القرن السابع عشر . وقد وصفه العلماء والاطباء الاوربيون بأنه كان عالما تجريبيا لا شك فيه ، يميل الى العمل الدقيق ، والوصف الشامل ، حتى اننا نستطيع الآن القيام بكل تجربة قام بها وتعليلها التعليل الحديث من وصفه الشامل والدقيق .َ

وقد اخذ الرازي فلسفته عن افلاطون و اقليدس ، وتأثر ايضا بسقراط وجالينوس ، ولكن ايمانه بالاخير اعتراه الشك الذي ضمنه كتابه ( الشكوك على جالينوس ) . وقد وضع هذا الكتاب في قالب المناقشة بين آراء جالينوس وآرائه . ولكن شكوكه تحولت بعد ذلك الى خلافات لا رجعة فيها ، لا مع جالينوس وحده ، ولكن مع افلاطون ، و ارسطو ، واقليدس ، والاسلام ايضا .َ

وقد هاجم الرازي المعتزلة ، وله رسالتان احداهما في نقد الاديان ، والاخرى في مخاريق الانبياء . ومع ذلك فقد اعتبر الرازي من مؤيدي اخوان الصفا ، وقد آمن بنظريتهم ونظريات افلاطون و فيثاغورس في الروح ، وكذلك بكثير من غيبياتهم في الكيمياء القديمة . وقد مال الرازي كما فعل ارسطو من قبل الى تقسيم الاشياء . فقسم المواد الى اربع : المعدنية والنباتية والحيوانية والمواد المشتقة . ثم قسم كلا من هذه الى اقسام اخرى ، فقسم المعدنية الى ستة هي : المعادن والاحجار والاملاح والزئبق والكبريت والسوائل الطائرة . وقد استحضر الرازي الكحول والاحماض ، وحاول تحديد الوزن النوعي لبعض المواد .َ

وردد الرازي افكار عصره ، خصوصا في الطب الاكلينيكي الباطني والنفسي . وفصل في عرضه لكل مرض اسباب هذا المرض ، واعراضه وطرق علاجه واحتمالاته . وقد حدد حمى الدراس ، ووصف الطاعون ، وكان من اوائل من فرقوا بين التهاب القولون والمغص الكلوي ، وبين الحصبة والجدري والجديري . وقد وضع في وصف الجدري والحصبة رسالة من 14 فصلا تعتبر افضل ما بقي من التراث الطبي في الاسلام . وقد بين الرازي في رسالته ( الجدري والحصبة ) علاقة الطفح بارتفاع درجة الحرارة ، ونبه الى ضرورة فحص القلب والنبض والتنفس اثناء المرض .َ

وكان الرازي من اوائل من استخدموا مركبات الرصاص في صنع المراهم ، وامعاء الحيوان في خيطة الانسجة عند اجراء العمليات الجراحية . وقد جرب مستحضراته الصيدلية على الحيوان قبل تقديمها لمرضاه . كذلك وصف استخدام الجبس في تجبير الكسور . وتبلغ مؤلفات الرازي نحوا من 224 كتابا ورسالة . ولكن الكثير منها كان مجرد تجميع لمواد متفرقة ، مما يميل معه النقاد الى ازاحته جانبا . واهم مؤلفاته هو الموسوعة الطبية الصيدلية ( الحاوي ) . وهي تقع في عشرة اجزاء و24 مقالا. وتعتبر احدى المراجع الكبرى في القرون الوسطى . وقد اكملت الموسوعة بعد وفاته وترجمها الى اللاتينية اليهودي فرج بن سالم بأمر ( شارل أوف انجو ) ملك صقلية في عام 1279م. وقد نشرت باسم ( كونتيننز ) Continens . ومع اهمية (الحاوي) وربما لضخامتها ، ولكتابة اجزاء منها بعد وفاة المؤلف ، وباشراف تلميذه ابن العميد ، فهي تفتقر في بعض اجزائها الى التناسق والترتيب ، ويمكن عدها موسوعة صنف فيها علم الاغريق والفرس والهنود مع ذكر مصادره . ولكن آراء الرازي الشخصية سجلت في ( الفصول ) التي تزخر بالملاحظات الطريفة والنصائح القيمة وتتسم بدقة التحليل الاكلينيكي .َ

وقد كتب الرازي في اولى حياته الطبية في بغداد ( المجربات ) ثم ( المرشد ) الذي عرض فيه لآراء ابقراط ، ثم ( ما يعرض في الطب ) ثم ( منافع الاغذية ) في تسعة عشر بابا تبحث في مضار ومنافع الخبز والماء والاشربة المسكرة وغير المسكرة واللحوم والاسماك والالبان والفواكه والتوابل والحلوى . وقد الف الرازي بعد ذلك ( الطب الروحاني ) الذي اهداه للمنصور بن اسحاق ثم ( الطب المنصوري ) الذي يقع في عشرة اجزاء والذي وصف تشريح الانسان الى جانب الفسيولوجيا ، والطب الباطني الاكلينيكي ، والصحة . وقد اهدى الرازي ( المنصوري ) كذلك للمنصور بن اسحاق . وترجم (المنصوري ) وطبع مرات كثيرة باللاتينية باسم Ad Mansorum .َ

كذلك كتب الرازي في الكيمياء القديمة ( خواص الاشياء ) و ( سر الاسرار ) . ويصف الاخير اغراض الكيمياء القديمة وبعض ما استخدم فيها من ادوات واتبع من وسائل . وللرازي في الفلسفة والطبيعيات كتاب ( المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات ) الذي يناقش فيه الآراء الطبية والفلسفية السائدة في عصره . وقد رجح الكثيرون الرازي على ابن سينا في الطب ، وابن سينا على الرازي في الفلسفة . وقد عرف الرازي في الغرب باسم Rhazes . َ