|
|
المعتزلة |
|
|
وهم « اصحاب علم الكلام » . ويطلق « علم الكلام » على العلم الذي يبحث في العقائد ، والرد على المخالفين باستخدام الأدلة العقلية ، وهو ما يعرف في العصر الحديث بـ ( الفلسفة ) . وعرف المشتغلون به باسم ( المتكلمين ) . وسمي بذلك لأن أهم المسائل التي كان يبحثها هي مسألة كلام الله و خلق القرآن ، وهي الفكرة التي أدت الى ظهور المعتزلة وذلك بعد اطلاعه على كتب الفلسفة اليونانية التي ترجمت زمن الخليفة المأمون . َكانت نشأة المعتزلة على يد واصل بن عطاء ، أحد تلاميذ الفقيه الحسن البصري . ويروى أن واحدا من المسلمين حضر ذات يوم مجلس هذا الفقيه الشهير أثناء تدريسه لتلاميذه فقال له يا إمامنا ، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون اصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم كفر ، وجماعة يرجئون اصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الايمان كما لا ينفع مع الكفر طاعة فكيف تحكم لنا اعتقادا ؟ . أطرق البصري مفكرا ، وقبل أن يجيب ، قال واصل بن عطاء : أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق ، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر . هنالك فكر الحسن البصري في ذلك وقال : « اعتزل عنا واصل » ، أي خالفنا رأينا وما كنا نعلمه ، فسمي وأصحابه منذ ذلك الحين « المعتزلة » . َوللمعتزلة آراء متعددة ، ولكن العلماء اتفقوا على جمعها في المبادئ الأساسية التالية : َ 1 - الامامة : يرى معظم المعتزلة أنه لا بد للمسلمين من إمام ينظم شؤونهم ويطبق شريعة الله فيهم ( مبدأ شيعي ) . وقليل منهم يقول بأن الامامة غير واجبة في الشرع وجوبا يستحق اللوم بل مبنية على العلاقات بين المسلمين ، فإن تعاونوا على البر والتقوى وعمل كل منهم واجبه أمكن الاستغناء عن الامامة ( مبدأ سني ) . َ 2 - التوحيد : وفيه يقولون بأن الله قديم ، أي أزلي بلا بداية ، وأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا جزء ولا عنصر بل هو الخالق للاشياء المبدع لها ، وانه لا يحصره المكان ولا تحويه الاقطار ، أي لا مادي . َ 3 - العدل : قال واصل بن عطاء زعيم المعتزلة : ان الله عادل ، لا يجوز ان يضاف اليه شر ولا ظلم . فالعبد هو الفاعل للخير والشر والايمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازي على فعله ، والله هو الذي وضع في الانسان القدرة على ذلك ، بمعنى ان الله لا يحب الفساد ، ولا يخلق افعال العباد بل إنهم هم الذين يخلقون افعالهم من الخير والشر بما وهبهم الله من عقل يستطيع التمييز بين الحسن والقبيح ، ولو لم يرد بها شرع. َ 4 - الوعيد : هو أن الله لا يغفر لمرتكب الكبائر إلا بالتوبة ، وأنه صادق في وعده ووعيده ، لا مبدل لكلماته . َ 5 - المنزلة بين المنزلتين : لا يجوز تكفير المؤمن الذي يقترف كبيرة ما دام يشهد دائما بوحدانية الله وبرسالة محمد ، وما دام مواظبا على القيام بما يأمر به الدين . في حين أنه لا يوصف بمؤمن لأنه انفصل عن جماعة المؤمنين بما ارتكب من إثم وأصبح فاسقا ، وحاله بذلك حال المؤمن الفاسق ، أي بين الايمان والالحاد ، فإذا مات من غير أن يتوب ، كان في النار ، ولكن لا يخلد فيها أبدا . َ 6 - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر : وهو واجب على سائر المسلمين حسب استطاعتهم في ذلك . َ 7 - خلق القرآن : يرفض المعتزلة القول بقدم القرآن ، ويقولون بأنه مخلوق ، أي أنه ليس أزليا ، لأن الله وحده هو الأزلي عندهم . َ وقد قصد المعتزلة من وراء ذلك كله الى تخليص عقيدة التوحيد من كل شائبة ، وقاموا في سبيل ذلك بالرد على ما أثاره النصارى واليهود والزنادقة ، ( وهم الذين ينكرون الحياة الآخرة وخلود الروح ولا يؤمنون بأن الله واحد لا شريك له ) ، والثنوية ( وهم من يقولون بالهين اثنين كالمجوس الذين يقولون باله النور والظلمة ) ، و الدهرية ( وهم الملاحدة الذين ينكرون وجود الاله ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) . فقام المعتزلة بالرد على شبهات هؤلاء مستعينين بكتب الفلسفة اليونانية التي درسوا ما فيها من أصول المنطق والجدل ليستفيدوا منها في تعزيز موقفهم ، ولكنهم اشتطوا في ذلك فانحرفوا في نظر من خالفوهم من الفقهاء النقليين أو التقليديين ، الذين لا يستطيعون الابتعاد عن منهجم الذي توارثوه أبا عن جد . َ واتخذ المعتزلة مراكز لهم في الكوفة و البصرة وغيرها من المدن . وبرز من زعمائهم الى جانب واصل ، كل من ابي الهذيل العلاف ، والجاحظ . وقد تطورت حركتهم وانتشرت زمن الخليفتين الامويين يزيد بن عبد الملك ومروان بن محمد ، والخلفاء العباسيين المؤمن والمعتصم والواثق . وقد قام الامام احمد بن حنبل ، وهو اكثر الأئمة تقليدية ونقلا ، والامام ابو الحسن الاشعري ، الذي انفصل عن المعتزلة ، قاما بجهود مضنية للرد على المعتزلة مما أدى إلى اضعافهم وكسر شوكتهم خصوصا حينما وقف الخليفة العباسي المتوكل الى جانب خصومهم من اهل السنة والجماعة وقضى عليهم إما سجنا أو قتلا أو تشريدا ، بعدما عجز الجميع عن مقارعتهم بالحجة والاقناع المنطقي الذي كانوا يؤمنون به . َ |