ابن اللباد



موفق الدين ابو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن ابي سعد المعروف بابن اللباد . طبيب ومؤرخ


واديب عراقي . ولد في بغداد عام 1162 م وتوفي فيها عام 1231م. نشأ في بغداد في اسرة موصلية الاصل اشتغل


العديد من افرادها بشؤون الدين والفقه ، وامتاز في النحو وعلم اللغة والكلام ، وتتلمذ على الوجيه الواسطي ، ثم


درس الطب والفلسفة في بغداد وتتلمذ فيها على امين الدولة ابن التلميذ , وقد بالغ في تقديره له


مبالغة كبيرة انتقدها مؤرخه ابن ابي اصيبعة وارجعها الى تعصب البغدادي للعراقيين. َ


توجه البغدادي الى الموصل في سنة 1190م حيث لم يجد بعد في بغداد من يملأ عينه ، ولم يجد بها ايضا


من يروق في نظره سوى الكمال بن يونس . وبعد ان اقام بالموصل سنة قال ان اهل الموصل لم يروا من احد قبله ما


رأوه من العلم والاطلاع ونعت الجميع بالحماقة وادعاء العلم. َ


ثم توجه الى دمشق ، وبعد ذلك الى صلاح الدين بظاهر عكا واجتمع عنده بالقاضي الفاضل الذي حمله مكتوبا


الى وكيله بمصر ابن سناء الملك . ولم يجد في مصر من تشتهي النفس اليه سوى أبي القاسم الشعراوي وابن العميد


وكانت شهرة موسى بن ميمون قد بلغته ، فلما زار في القاهرة الفاه فاضلا في الغاية غير انه غلب عليه حب


الرياسة وخدمة ارباب الدنيا. َ


وعندما هادن صلاح الدين الفرنجة عاد البغدادي الى القدس عام 1192 واغدق عايه صلاح الدين واولاده المال . َ


ومن ثم زار دمشق ، وكان صلاح الدين قد توفي ، وخرج العزيز من مصر لمحاربة اخيه الافضل في سورية. ولما لم


ينجح العزيز ، طلب اليه البغدادي مصاحبته الى القاهرة ، ورافقه اليها . واخذ يدرس في الازهر وتجري عليه


الجرايات فترة . وشهد في هذه الاثناء جفاف النيل ومجاعات الاعوام 1200 - 1202 وأوبئتها، حين كان العامة


يتصيدون السائرين لأكل لحومهم ، فاذا ضبطوا قتلوا لفورهم . وقد وصف كل هذا وصفا واقعيا يصل


احيانا الى غاية البشاعة في (كتاب الافادة والاعتبار في الامور المشاهدة والحوادث المعاينة


بارض مصر ) الذي وصف فيه ايضا البلاد وطيورها واسماكها ونباتاتها الخ. َ


ثم عاد البغدادي بعد ذلك الى القدس ودمشق وحلب ، وزار بلاد الروم حيث اقام في خدمة الملك علاء الدين بن بهرام


صاحب ارزنجان . ثم توجه الى ارزن الروم وكماخ وملطية وحلب حيث درس الطب . وبرز في هذه الفترة من


حياته في العلوم الطبية وصنف فيها . ثم نوى تأدية فريضة الحج ، فجعل طريقه الى بغداد ، ولكنه مرض ومات بها


ودفن فيها وكان قد غاب عنها خمسا واربعين عاما. َ


وقد كتب البغداي سيرة حياته بنفسه ، وحفظها لنا صديق عائلته ابن ابي اصيبعة . ووصفه ابن ابي اصيبعة


بانه كان : « نحيف الجسم ، ربع القامة ، حسن الكلام ، جيد العبارة . وكانت مسطرته ( اي


كتابته ) ابلغ من لطفه , وكان ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه ، وكان يستنقص الفضلاء الذين في


زمانه كثيرا من المتقدمين ». َ


وقد تأثر عبد اللطيف البغدادي في اول حياته بابن سينا وبمؤلفيه ( النجاة ) و ( الشفاء ) ، ثم انصرف عنه الى


القدامى ، واسف لضياع وقته لدراسة ابن سينا وانتقده شر انتقاد ، حيث قال : « وكلما امعنت في كتب


القدماء (الاغريق) ازددت فيها رغبة وفي كتب ابن سينا زهادة . فإن اكثر الناس انما هلكوا بكتب ابن


سينا» . َ


وقد تأثر البغدادي كما قال بارسطو . ومدح جابر بن حيان ، وابن وحشية ، ولكنه انتقص جالينوس و صحح بعض


كتاباته وكتابات ابن سينا . وقال عن الأول « فالحس ، اي التجربة ، اقوى دليلا من السمع ،


فإن جالينوس وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ، فان الحس اصدق منه». َ


وقد طبق البغدادي نظريات جالينوس التشريحية على موميات مصر وصحح بعض معطياته عن التشريح ، واثبت ان


الفك السفلي لا يتكون كما قال جالينوس من عظمتين وانما من عظمة واحدة. كما عارض البغدادي اخوان الصفا


وانتقص من علوم الكيمياء عامة ، ونفى امكان تغيير المعادن ووجود الاكاسير ، وله في هذا الموضوع (


كتاب المجادلة بين الحكيمين الكيميائي والنظري ) و ( رسالة المعادن وابطال الكيمياء ) . َ


وذكر انه لم يكن يعرف اللهو واللعب في حياته وانه كان دائم القراءة والتسويد والكتابة . حتى انه كان يكتب من


المؤلف الواحد نسخا عديدة . وقد تراوحت المؤلفات التي تركها وعددها حسب قول ابن ابي اصيبعة 173 بين


الجغرافيا والطب واللغة وعلومها والفقه والنقد الادبي وعلم الحيوان وعلم التوحيد والتاريخ والعلوم


والحساب والتعليم والسحر والمعادن والفلسفة والالهيات. وقد تناول في المنطق مسائل لا تزال تشغل


الفلاسفة اليوم ، وانتهى فيها الى كثير مما انتهى اليه علماء القرن الحالي. َ


وقد وصف كراتشكوفسكي البغدادي بأنه كان عالما دقيق الملاحظة ، وله ميل واضح للتجربة العلمية ،


وبأنه كان جامع المعرفة ضاربا في فروع كثيرة من العلم. َ


وقال البغدادي عن كتابه ( الافادة والاعتبار ) انه مختصر كتاب كان قد كتبه في مصر الى جانب


كتابيه الآخرين عنها ( اخبار مصر الكبير ) و ( اخبار مصر الصغير ) ، غير ان شيئا من هذه الكتب لم يصلنا


, وكذلك كتب البغدادي اخبارا كثيرة عن المغول نقلها عنه الذهبي المتوفى عام 1348م. وقد اهدى البغدادي


كتابه (الافادة والاعتبار ) الى الملك العادل ايوب ، وقسمه الى قسمين ، اختص الأول منهما بفصول عن طبيعة مصر


وسكانها ونباتاتها وآثارها وغرائبها وابنيتها واطعمتها . واختص الثاني بالحديث عن النيل


ومنابعه وبعض ما حيك من حوله من اساطير , وقد تميزت معالجته للنباتات والآثار ومنابع النيل


تميزا خاصا وواضحا. َ


وللبغدادي في الطب شروح كثيرة على ابقراط وجالينوس ، منها ( شرح الفصول ) و ( شرح تقدمة


المعرفة ) لابقراط و ( اختصار منافع الاعضاء ) و ( شرح كتاب ابقراط في الامراض الحادة لجالينوس ) . وللبغدادي ايضا ( حل شيء من شكوك الرازي على جالينوس ) و ( كتاب النصيحتين للاطباء والحكماء ) و ( اختصار الادوية ) لابن وافد ، ومثله لابن سمحون ، و ( رسالتان في الحس ) و ( رسالة في ديابيطس ). كذلك كتب البغدادي ( كتاب الجلي في الحساب الهندي ) واختصر كتاب ( النبات ) للدينوري و ( الحيوان ) لارسطو ، ومثله للجاحظ ، وألف مقالة عن النخل. َ