البويهيون


 

أسرة فارسية من أصل ديلمي وهم سكان المناطق المرتفعة في شمال غربي ايران . حكمت من 932 - 1055 م ، وأسسها ابو شجاع بن بويه . استولى ابناؤه علي عماد الدولة ، و الحسن ركن الدولة ، واحمد معز الدولة على اصفهان وشيراز وكرمان وبغداد عام 945 م ، فغدا الخليفة العباسي ألعوبة في ايدي البويهيين ، إلى ان قضى عليهم طغرل بك السلطان السلجوقي عام 1055 م . َ

البويهيون، بنو بويه: سلالة من الديلم (إيرانيون) حكمت في غرب إيران و العراق فى القرن الرابع الهجرى .استولى البويهيون الشيعة على معظم أملاك الدولة العباسية فى ايران والعراق ، وتحكموا فى الخلافة العباسية ردحا من الزمن .

جدهم الأعلى أبو شجاع بويه، وكان قائدا أثناء عهد الدولتين السامانية ثم الزيارية. ثم استطاع ثلاثة من أبنائه الاستيلاء على السلطة في العراق و فارس. واعترفت بنفوذهم الخلافة العباسية الواهنة فى ذلك الوقت ، وكان من العادة أن يخلع عليهم الخليفة العباسي ألقاب السلطنة. عماد الدولة بن أبى شجاع استولى على فارس والابن الثاني حسن ركن الدولة استولى على الري و همذان و أصفهان. وأخيرا، استولى أحمد معز الدولة (932-967 م) بدوره على العراق، الأهواز (الأحواز) وكرمان. ثم قام بالاستيلاء على بغداد وأعلن نفسه حاميا على الخلافة .
2ـ (علي بن خسرو ) المشهور بلقب (عضد الدولة )هو اشهر سلاطين بنى بويه ، ليس فقط لأنه ضم معظم العراق لسلطانه وتحكم فى الخلافة العباسية و الخليفة العباسى ، ولكن أيضا لما تفرد به من شجاعة وذكاء وثقافة وثروة وجاه . وقد شهد عام 372 وفاة عضد الدولة البويهى .
3 ـ قبيل موته ، وفي يوم الخميس ثامن عشر المحرم عام 372 هجرية ـ فتح عضد الدولة الماء الذي استخرجه من نهر الخالص الى داره وبستان الزاهر‏.‏ وفي يوم الخميس لثلاث خلون من صفر وقيل بل لليلة خلت من ربيع الآخر‏:‏ فتح المارستان الذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من مدينة السلام ورتب فيه الأطباء والمعالجون والخزان والبوابون والوكلاء والناظرون ونقلت إليه الأدوية والأشربة والفرش والآلات‏.‏
بعدها ، وفي شوال 372 توفي عضد الدولة، فكتم أصحابه موته ثم استدعوا ولده صمصام الدولة من الغد إلى دار المملكة وأخرجوا أمر عضد الدولة بتوليه العهد ، وروسل الخليفة العباسى الطائع فى الموافقة على تولى صمصام الدولة ملك أبيه عضد الدولة ففعل ، وبعث إليه خلعًا ولواء وعهدًا بإمضاء ما قلده إياه أبوه .وجلس السلطلن الجديد صمصام الدولة جلوسًا عامًا حتى قرئ العهد بين يديه وهنأه الناس واستمرت الحال على إخفاء وفاة عضد الدولة إلى أن تمهد الأمر‏.‏
4ـ عضد الدولة هو أول من خوطب في الإسلام بشاهنشاه ، أى ملك الملوك . وكان دخوله إلى بغداد في ربيع الأول سنة 367 ، وخرج الخليفة العباسى الطائع إليه متلقيًا له ولم يتلق سواه . وعهد اليه الطائع بالولاية وأمر أن يخطب له على المنابر ببغداد ، وهذه سابقة لم تحدث من قبل ، بل أذن له الخليفة في ضرب الطبل على بابه في أوقات الصلوات الثلاث الظهر والعصر والمغرب .
كانت الظروف هى التى مهدت له تلك المنزلة . إذ دخل بغداد وقد استولى الخراب عليها وعلى القرى التابعة لها بسبب الفتن والثورات وقيام أعراب بنى شيبان بقطع الطريق ، فقام عضد الدولة بهزيمتهم ، وأسر منهم ثماني مائة رجل .
5 ـ وقرن استتاب الأمن بالتعمير ، فقام باصلاح ما سبق تخريبه ، وتجديد الحصون وتعمير التلال وبناء القصور المهدمة وزراعة البساتين والحدائق فى الخرابات والأماكن المهجورة ، وأمر بحفر الأنهار التي دثرت وعمل عليها أرحاء الماء أى السواقى التى تصعد بالماء الى القصور والحصون والبيوت و المزارع. وحول من البادية قومًا فاسكنهم بين فارس وكرمان فزرعوا وعمروا البرية . وعمل الجسر وبنى القنطرتين العتيقة والجديدة على الصراة .
وكان بجكم ـ أمير الأمراء الذى تحكم فى بغداد والخلافة من قبل ـ قد عمل مارستانا أى مستشفى ، فشرع فيه ثم مات قتيلا قبل إتمامه ، فأتمه عضد الدولة وجلب إليه ما يصلح لكل فن ، وعمل بين يديه سوقًا للبزازين أى تجار الحرير. ووقف عليه وقوفًا كثيرة وعمل له أرحاء بالزبيدية تمده بالماء من نهر عيسى ووقفها عليه .
6 ـ ورفع الجباية عن الحجاج ، وكانت تؤخذ منهم الضرائب ، بل وأقام لهم المنازل في الطريق وحفر المصانع والآبار ، وأطلق الصلات والصدقات لأهل الحرمين وأدار السور على المدينة وكسا المساجد ، ورتب مرتبات للمؤذنين والقراء ، وأكثر من الصدقات وربما تصدق بثلاثين ألفًا ، وتصدق مرة بثلاثين بدرة ذهب .
7 ـ وأسّس جهاز مخابرات قويا ، فكانت أخبار الدنيا عنده ، خصوصا ما يقال عليه ، حتى أن رجلًا بمصر ذكره بكلمة فاحتال حتى جاء به الى بغداد ووبخه عليها ثم رده ، فكان الناس يحترزون في كلامهم وأفعالهم من نسائهم وغلمانهم خوف أن يكونوا عملاء وجواسيس لعضد الدولة.
8 ـ وتحرّى العدل مع الحزم فكان شديد الهيبة ، خصوصا مع اعوانه. والعادة أن أعوان السلطان هم أسرع الناس فى الظلم واستغلال النفوذ، ويتمتعون بحماية السلطان أو تغاضيه عن ظلمهم معتبرا ذلك من هيبة الحكم ، ولكن عضد الدولة رأى العكس ، وهو أن الهيبة هى فى تحقيق العدل والقسوة فى معاملة جنده وأتباعه إن استطالوا على الناس ، فلو لطم أحدهم إنسانًا قابله أشد مقابلة. ورأى الناس حزمه مع أتباعه فكفّ الظالمون الصغار عن ظلمهم ، بل كفّ الناس عن التظالم ـ على حدّ قول ابن الجوزى ، وهو الذى ننقل عنه سيرة عضد الدولة.
9 ـ ويقول ابن الجوزى عنه إنه كان محبا للمعرفة والثقافة التاريخية ، فكان يبحث عن أشراف الملوك وينقب عن سرائرهم ليتعلم منهم .وإنه كان غزير العقل شديد التيقظ كثير الفضل بعيد الهمة محبًا للفضائل مجتنبًا للرذائل . وكان مشهورا بالذكاء الخارق ، وكانت له حيل عجيبة في التوصل إلى كشف المشكلات . وقد ذكر المؤرخ ابن الجوزى نماذج منها فى كتابه (أخبار الأذكياء ).
وكان يحب العلم والعلماء ويجري الرسوم للفقهاء والأدباء والقراء فرغب الناس في العلم. وكان هو يتشاغل بالعلم ، فوجد له في تذكرة كتب فيها : ( إذا فرغنا من حل أقليدس كله تصدقت بعشرين ألف درهم . وإذا فرغنا من كتاب أبي علي النحوي تصدقت بخمسين ألف درهم . وكل ابن يولد لنا كما نحب أتصدق بعشرة آلاف درهم . فإن كان من فلانة فبخمسين ألف درهم . وكل بنت فبخمسة آلاف فإن كان منها فبثلاثين ألفًا ).
وكان يؤثر مجالسة الأدباء على منادمة الأمراء . وكان يحب الشعر فمدحوه كثيرًا .. ويقول ابن الجوزى عنه : ( وقال شعرًا كثيرًا . ونظرت في جميعه ) وذكر بعض أبيات من شعره ، ثم قال : ( وليس شعره بالفائق ).‏
10 ـ وذكر جدول عمله اليومى؛ إذ كان يباكر دخول الحمام فإذا خرج صلى الفجر ، ودخل إليه خواصه، فإذا ظهرالنهار سأل عن الأخبار الواردة ، فإن تأخرت عن وقتها قامت عليه القيامة وسأل عن سبب التعويق فإن كان من غير عذر أنزل البلاء عليهم . وكانت الأخبار تصل من شيراز إلى بغداد في سبعة أيام ، وتحمل معهم الفواكهة الطرية . ثم يتغدى والطبيب قائم ، وهو يسأله عن منافع الأطعمة ومضارها . ثم ينام فإذا انتبه صلى الظهر ، وخرج إلى مجلس الندماء والراحة وسماع الغناء وكذلك إلى أن يمضي من الليل صدر، ثم يأوي إلى فراشه. فإذا كان يوم الموكب والخروج للناس برز للأولياء فلقيهم ببشر معه هيبة .
11 ـ وشأن مستبدى عصره كان يقتل البرىء او غير المستحق للقتل لأهون سبب ،( ظنًا منه أن ذلك سياسة فيخرج بذلك الفعل عن مقتضى الشريعة)ـ على حدّ قول ابن الجوزى ، حتى أن جارية شغلت قلبه بميله إليها عن تدبير المملكة فأمر بتغريقها .وأخذ غلام من أتباعه بطيخًا من حقل رجل غصبًا فضربه بسيف فقطعه نصفين‏.‏
وكان مع صدقاته وكرمه يدقّق فى الحساب ، وينظر في الدينار وينافس في القيراط .
12 ـ وبلغ ملكه كرمان وفارس وعمان وخوزستان والعراق والموصل وديار بكر وحران ومنبج . وجاوزت ثروته المعروف وقتها ، وكانت تتزايد بالتعمير. و بلغ دخله في السنة ثلثمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم فقال‏:‏ أريد أن أبلغ إلى ثلثمائة وستين ألف ألف درهم ليكون دخلنا في كل يوم ألف ألف درهم (أى مليون درهم يوميا ). وفي رواية أنه كان يرتفع له كل عام أثنان وثلاثون ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار .
13 ـ ومات عضد الدولة شابا فى السابعة والأربعين من عمره تقريبا .
وحين حضرته الوفاة جعل يقول‏:‏ (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه)
وظل يرددها إلى أن توفي في آخر يوم الاثنين من شوال عام 372 .

 

[IMAGE]