كتاب الاقراباذين للسمرقندي



الاسبرين كلمة عربية ، واستخدمها العرب ايضا في مجال علم الأدوية أو الأقراباذين ، وكما نعلم فالاسبرين اسم تجاري يطلق على المادة الكيميائية ( استايل حمض السالسيلك التي تستخدم في تخفيف الصداع والألم والحمى ، وغير ذلك ، وهذا شأن الأدوية ، فالاسم التجاري أكثر يسرا في التداول من الاسم العلمي ، ومن الطريف بل المهم أن نعلم أن الأطباء العرب والمسلمين - أيام الحضارة التي انهارت - قد استخدموا هذا النهج ، وأطلقوا أسماء سهلة للتداول على العديد من الوصفات والعلاجات التي كانت شائعة في ذلك الوقت . ولعل اهم الأسماء هو ( كحل الاسبرين ) الذي ذكره الامام العالم نجيب الدين السمرقندي المتوفي عام 1222 م ، في كتابه : ( الاقراباذين على ترتيب الاسباب ) ، وهو كتاب مهم قام أ.د. جورج طعمه بتحقيقه ، وصدر حديثا باللغات الثلاث : العربية ، والفرنسية ، والانجليزية في مجلد واحد في بيروت ( مكتبة لبنان - 1994 ) . وهذا الكتاب القديم الجديد هو موضوع هذا المقال . ( انظر صورة الصفحة التي ذكر فيها الاسبرين ) .َ

تم استخدام كحل الاسبرين كدواء للعين لمنع تكوين البثور ، وتتكون وصفته من كحل عشرة دراهم ، شيادنج مثله ، صبر درهم ؛ يسحق ويذر منه في العين ويشد برفادة وينام على القفا ولا يتحرك : وهكذا تتضمن الوصفة ( أو الروشتة ) تحضير الدواء وطريقة الاستخدام ، وتوجد هذه الوصفة في الجزء الثانى من كاب الاقراباذين المشار اليه تحت رقم 2 20. أليس من المثير أن تبقى كلمة الاسبرين طيلة هذه القرون ، وأن تبعث من جديد في مجال الدواء بإطلاقها بواسطة الغرب على دواء للرأس بدلا من دواء العين ؟ .. َ

بدا اهتمام جورج طعمه بالسمرقندي في عام 1958 م أى بعد سنتين من تخرجه في الجامعة اللبنانية . في ذلك العام قرر الصيدلى يوسف سليم طعمه التقاعد وترك عمله في صيدليته في جبل لبنان ، وأهدى ابنه الشاب جورج طعمه ، مخطوطا قديما ونادرا تضمن ثلاثة كتب في الطب العربى ، كان منها كتابان لنجيب الدين السمرقندي: أولهما العلل والأسباب ، وثانيهما الاقراباذين على ترتيب العلل والأسباب ، الذي تناول مجموعة من الوصفات الطبية والعلاجات تكمل الكتاب الأول . و يبدو أن جورج طعمه قرر مبكرا أن يعيد احياء مخطوط الاقراباذين حين يواتيه الوقت ، فهو متخصص في علوم الحياة ويعرف قدر المخطوط الذي كان له فضل على والده ، الذي كرس جهوده وحياته لحفظ صحة المواطنين البسطاء في الريف اللبنانى ، وكان لوالده أيضا فضل الاحتفاظ بالمخطوط ررعايته إلى أن أهداه إلى ابنه . َ

كان تاريخ المخطوط - المشار إليه - كتاب الاقراباذين هو عام 1007 هجرية ( 1598 - 99ه 1م ) أى بعد وفاة السمرقندي باكثر من ثلاثة قرون ، ولذلك فقد كانت أول مهمة واجهت جورج طعمه حينما بدا جهده العلمي الكبير هو التحقق من أصالة المخطوط وأمانة النقل ، لذلك قام بمقابلة المخطوط مع شبيهه في المكتبة الوطنية في باريس ، ووجد تطابقا كاملا ، وجدير بالذكر أن أحد وزراء الملك لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر كان يمكك نسخة من كتاب الاقراباذين وأودعها في مكتبة باريس الشهيرة ، وهى تحت رقم 2967. َ

قام بعد ذلك جورج طعمه بفهرسة كتاب الاقراباذين وتجزئته إلى عشرين جزءا تتناول الأدوية لمختلف الأمراض ، مبتدنا بالرأس متسفلا فيه إلى ما يليه على النحو التالى : 1- أدوية علل الرأس ، 2 - أدوية العين ،3 -أدوية الأنف ، 4- أدوية الأذن ، 5 - أدوية الأسنان ، 6 - أدوية الفم واللسان والحلق ، 7 - أدوية الصدر والرئة ، 8 أدوية القلب ، 9 - أدوية المعدة ، 10 - أدوية الكبد والمرارة والطحال ، 11- أدوية القولنج والأمعاء ، - 12 أدوية الاسهال ، 13 - أدوية الكلية والمثانة ، 14 - أدوية المعدة والرحم ، ه 1 - أدوية الثديين والخصيتين والذكر ، 16- أدوية النقرس ووجع المفاصل وعرق النسا ، 17 - دواء للقروح وللشرى ، 18 - أدوية الزينة ، 19 في الأدوية المبطئة للسكر والنافعة في الخمارة ، 20 - علاجات مختلفة . َ

يوضح هذا التصنيف مدى التنوع والمعرفة في علم الاقراباذين ، ومدى تصنيف الأدوية ، في ذلك الوقت ، وهو تصنيف يتفق في جانب كبير منه مع التصنيف الحديث 0 ويحتوي الكتاب على 870 وصفة طبية . وتحتل أدوية الزينة المقام الأول في عدد الوصفات وعددها 96، وتشمل علاج الأمراض الجلدية وأمراض البدن والسمنة والشعر (ومنها الصلع والشيب ) ، ومن الأمراض الجلدية البهق ، البرص ، الكلف ، النمش ، الشحوب ، الوشم ، الثعلبة ، الشقاق ، أثار القروح والجدرى وغيرها . هذه الأمثلة توضح مدى التنوع في الأدوية ( ولا ننوي هنا سرد أمثلة من باقى الأدوية ) ، يلى ذلك 69 وصفة لأدوية الرأس و17 وصفة لأدوية العين و 60 وصفة لأدوية الثديين والخصيتين والذكر ، وكانت أقل الوصفات للادوية المتعلقة بالخمور (20 وصفة ) ، وأدوية الأذن (19 وصفة ) منها دواء اسمه المرهم المصرى تحت رقم 4 -13 وهو يعالج قروح الأذن وسيلان المادة فيها . ويتضمن الكتاب لائحة بالأسماء العلمية للنباتات التى يبلغ عددها ما يقرب من 260 نوعا باللغات الثلاث ، وأكثر هذه النباتات استخداما في تركيب الأدوية هو الورد ويستخدم في حوالى 160 صنفا ، ويليه الرمان في حوالى 90 صنفا والفلفل الأسود في حوالى 80 صنفا . أما السنبل والزنجبيل والمر فيدخل كل منها في حوالى ه 7 صنفا. وفي الجملة تدخل هذه الاعشاب في تركيبات 60% من الأدوية الواردة في كتاب الاقراباذين ، كما يحتوي الكتاب على جدول لتحويل الموازين إلى جرامات ليسهل الاستخدام . إن الجهد العلمي الكبير المبذول في إحياء كتاب السمرقندي لهو جهد مفيد لعشاق العودة إلى الطبيعة في العلاج وللأطباء والصيادلة والباحثين وشركات الأدوية كما أنه يمثل اضافة عربية مهمة للجهود العالمية الحالية في العودة إلى النباتات والأعشاب الطبية والعلاجات الشعبية .َ

لقد كان الشيخ نجيب الدين شرف الأفاضل محمد على بن عمر المتطبب السمرقندي طبيبا لامعا ،كما وصفه مؤرخ الطب العربى الطبيب المستشرق الفرنسى لوكلير (1876) . وقد فتك التتر الغزاة بالسمرقندي عند هجومهم على هرات بأفغانستان سنة 1222م . ولا تتوافر معلومات كثيرة عن هذا الامام الأجل الأفضل نجيب الدين السمرقندي ولكن يتوافر لنا منهاجه العلمي .إن حياته وأعماله ومنهاجه تشكل موضوعا جديرا بالدراسة من المهتمين بتاريخ العلماء المعرب والمسلمين والإسهام العلمي للحضارة العربية - الاسلامية . َ

وقد قام السمرقندي بتحديد الغرض العلمي من عمله بكل دقة ، وقام بالاستقصاء وبذل الجهد اللازمين لكى يكتمل العمل ، ومن الواضح أن عمله لم يقتصر فقط على تجميع وتسجيل أدبيات ما قبله في هذا المجال ، بل عدل فيها وزاد عليها وأنقص منها مستخدما مشاهداته وخبرته وعلمه وحدد : نواع العلل والأعراض والأسباب وهذا عين العمل العلمي كما نعرفه الآن ، ولأن العمل العلمي كأى جهد إنسانى - يحتمل الغلط ، فإن السمرقندي العالم الجليل يطلب ممن يطلع عليه أن يصلحه وأن يزيد عليه أى يشتغل بتهجينه أو أو تنقيحه . كلمات قديمة ولكنها باهرة توضح الفهم الدقيق لروح العمل العلمي وطبيعته ولمهمة صاحب العلم أو العالم حيال العمل العلمي : أن لا يتركه راكدا بل أن يبين أوجه قصوره وأن يصلحه أو ينقص منه وأن يطوره بالإضافة اليه وتحسينه . َ

إن هذا يبرز لنا بجلاء أن طبيعة العمل العلمي والعمل الفكرى التراكمية والدينامية في نفس الوقت كانت واضحة لدى السمرقندي. إن أركان المنهاج العلمي واعلاء قيمة العقل والنقد وتهجين الفكر - كما نعهدها اليوم - كانت مكتملة في الحضارة العربية - الإسلامية . لاحظ جورج طعمه أيضا الدقة العلمية ودقة اللغة والأخلاق من خلال عمله الذي استغرق سنوات طويلة و أن العلماء العرب والمسلمين كانوا يتحلون بالروح العلمية والأخلاق في نقل المعرفة ، كما لاحظ أن اللغة العربية السائدة وقتها كانت أغنى وأدق من لغتنا اليوم ، وأنها ابتكرت اصطلاحات مثل الآلة الهضمية ( وهو تعبير أدق من الجهاز الهضمى المستخدم حاليا) وغيرها . ( بقلم د. فوزي حماد - مجلة الهلال المصرية - اكتوبر 1997 م ) . َ